حينما تسترجع الروح أزمنتها الضائعة في رسوم محمد سامي

المقاله تحت باب  محور النقد
في 
06/09/2012 06:00 AM
GMT



    إذا كانت سمة عصر النهضة تكمن في تحليل التصور والتمثيل. فان سمة عصرنا الحديث تؤكد على تحليل المعنى والمغزى(الدلالة). من وجهة النظر هذه, علينا البحث أو الحفر عميقا داخل النص الفني  المعاصر لاكتشاف سماته, ودلالاته التي غالبا ما تراوغ القبض على عصبها السري, لاشتباك ذات المبدع الخاصة ومناطق التعبير الظاهرية والخفية(الباطنية). ولا يسع معاين العمل الفني الا الركون لأدوات الحفر المعرفية والذوقية. ولهاجسه الخاص الذي تشكل ضمن الحاضن الثقافي الأوسع.. لنحاول في هذا النص دخول عالم رسوم الفنان العراقي الشاب محمد سامي من جانبها الخفي أولا. ثم نتابع مزايا مظهريتها, أو تمثلاتها الصورية.
    ثم سطح او بالاحرى سطوح متحركة محملة بانفعالات كائنات هذا الفنان لا تخفي مصادر  منشأ ردة
  فعلها المستفزة على مظاهر وجود معينة. في رسوماته, سواء القديمة او الجديدة. لا تختفي هذه النبرة الحادة, وحتى لو حاول ان يحد منها بعناصر تكنيكية جديدة, الا أنها لا تنصاع لنوايا تحجيمها بشكل تام. وان كان الامر يدعو لفحص هذه الظاهرة الفنية التعبيرية(التي هي قديمة ـ جديدة). ولا اقول التساؤل. فلا بد من الحفر بعيدا في دواخل ذات الفنان, فربما استطعنا العثور على ما يفسر هذا الزخم الانفعالي الواضح في رسوماته.
      لقد عاش محمد سامي اعوام الرعب العراقية الأخيرة, وبالأخص احرجها, المحصورة ما  بين عام(2005) و عام(2007) والتي ختمها باصابته بـ (الذبحة السريرية المميتة). ولكون إصابته لم تتعدى العصب التاسع في الرقبة والمسؤل عن نصف الجسم, ولم تصب الدماغ مباشرة. لذلك نجى من الموت المحقق. لكن مع ذلك فانه يبقى لكل إصابة  مرضية مضاعفتها, سواء كانت دائمية او موقتة. ظاهرية او باطنية. بالتأكيد هذه الاصابة او غيرها اصبحت مألوفة عند الإنسان العراقي في زمننا الكارثي هذا. وبالتأكيد فان للشد العصبي المستمر, والرعب الذي يفاجأ المرأ ضمن اجواء التفجيرات والاغتيالات في تلك السنوات وما قبلها, ولتي كان محمد على تماس مباشر بها, وهو الموظف في وزارة الثقافة التي تعرضت وما جاورها لصدمة هذه الحوادث المرعبة. فهل كان محمد سامي وهو في مقتبل عمره قادر على تجاوز هذه الكارثية البشعة. وهل كان باستطاعته ان ينعم بغفوة عميقة في لياليه.  هو يؤكد عكس ذلك. واصابته تؤكد صدق مقولته.  
     بسبب من ارتباط الحبل السري للطير والحيوان وخاصة الخيول بأمنا الطبيعة, لذلك فهي كائنات سريعة العطب إذا ما تعرضت هذه الطبيعة لكارثة ما, حواسها تتنبأ قبلنا. وكانت تقوم  بمهمة  إنذار الإنسان الأول بقدوم الكارثة او اقترابها, هذه الكائنات ليس لديها سوى اجنحتها او سيقانها من معين على الفرار. هي نفسها مخلوقات محمد سامي التي اختارها أو اختارته  كمجسات تنبؤية تمارس وظيفتها على امتداد العديد من سطوح رسوماته. وهذا ما تخبرنا به خيوله المرسومة والتي هي دوما هاربة, او مدومة  في فضاء معتم افقدها بوصلة اتجاهاتها, سواء كانت تحوم حول مصيرها, او تفر منه. و سواء كانت تعبر قماشة الرسم الى المجهول. او تصعد حيث لا يمكنها النزول. لكن,  وان تحصنت خيوله بمرونة أجسادها . فان طيوره  الأكثر هشاشة. هي دوما  مسحوقة منتفضة أو مكسورة أجنحتها, وحتى في جنوحها صعدا. هي مجاز أرواحنا التي سحقتها شضايا حروبنا العبثية. وهي رعشة العصب المخلوع من جذره. هي أيضا  عصب محمد سامي الذي خضع للترميم الزمني. لكنه ترك بصمات ازمنة عطبه ندوبا ظاهرة للعيان
   بما أن العقل البشري (يتكون من(100) مليار خلية عصبية فردية مترابطة في وظائفها لبناء النظم التي تمكننا من تصور العالم الخارجي, وتحديد اهتمامنا, والسيطرة الالية على اعمالنا,) فهل بات العمل الفني, ولو كاشارات لمسارات ادائية, مشتبكا وشبكة هذه الخلايا العصبية. وخاصة في الأعمال التعبيرية الفنية. ربما هو كذلك , لكنه لا يخفي صلته في أداء محمد سامي, كما في أعمال الفنانين الذين اخترقتهم ازمنة الكوارث والحروب. فما بين إدراك ردة الفعل المباشرة وخفائها, يدرك التعبير الأدائي مقاصده. هو أمر طبيعي أن  تتحكم فيه بعض من ردود فعل خلايا الفنان العصبية التي لم تخمد نرفزتها الحادة. وعلى ما اعتقد فان العطب لا يزال عند الفنان فاعلا. 
     نحن بحاجة للاستعانة بالعلم أحيانا لفهم روابطنا بالعالم الطبيعي, سواء الظاهري منه أو ألمجهري. وسبق أن قدم بعض الفنانين رسوما استقت مصادرها من الخلايا المجهرية. كالفنان التجريدي(ويلز).  رسوم سامي, وكما تبدو, تهيمن عليها شبكة خطية عصبية مقاربة في شكلها الحركي و الاشاراتي الضوئي  لشكل الخلية العصبية. وأحيانا حتى في انتشار خطوطها أو شعيراتها الخطية وتعرجاتها. فسواء كان الفنان يدرك جذر مرجعيته الصورية(ولو في بعض من مناطقها) أو هو لم يدركها. فبالتأـكيد أن ثمة حافز محرك, ربما, أو هو في حالة سامي, حافز داخلي, سيطر على أدائه الميكانيكي التعبيري وأنتج لنا هذه التأثيرات التي طغت على مشهدية رسومه. وبما ان سيرة حياته المتأخرة ارتبطت بالصدمة والعطب العصبي, كما رأينا, فان الأثر( وهو هنا اثر مقارن لشكل الشبكة العصبية) لا يزال لم يستنفذ بعد. واعتقد ان شبكته العصبية(وبشكل خاص عصبي الذراع, ألزندي والمتوسط)  لا زالت تحمل آثار شدتها. ولو أنها خفت حدتها بعض الشيء في أعماله الأخيرة. ربما, كنتيجة لاستنفاذ بعض شحناتها , كما هو واضح في اللعب على منطقة أدائه تقنيا(لا عفويا) وبمفردات جديدة. واللعب الفني لا تتوفر شروطه الا بالمعاينة التأملية والاسترخاء. وهذا ما يبدو على مظهرية محاولاته التقنية الجديدة التي تتعارض وعفوية وحدة الفعل التعبيري الأدائي العفوي الذي ميز غالبية أعماله.


          يشتغل محمد رسوماته بثلاثة مستويات إجرائية. غالبا ما تكون منفصلة. لكنها تتمتع بوحدة موضوعها و مشهديتها. هو يؤسس مشهده أولا على خلفيات غالبا ما تكون معتمة. فاللون الأسود, وعلى ما يبدو هو تعويذته. هو العماء الذي تنبثق منه أشكاله التي تتعثر بوهج ومضاتها الكونية. أحيانا ما يكتفي بالمساحة السوداء. وأحيانا ما يحاول شطرها بلون السماء, أو الألوان المخفف حدة نصوعها الطيفي.    
   المستوى الثاني, أو الطبقة الشكلية الملونة. أو المحفورة حدودها الخارجية, كما في تقنية الكرافك. هي أشكال كائناته الأثيرة التي تتشكل على وقع نواياها الحركية. والتي تخترقها أحيانا شظايا الخلفية المعتمة. تجزئها, أو تبعثرها. أو تطمس بعض من ملامحها.
   المستوى الثالث. يتمثل في فعل الومضة العصبية وامتداداتها, أو تـأثيراتها على بعض أو كل مساحة  سطح العمل. لكنه لم يكتفي بهذا المستوى المكتفي بذاته تجريديا, بل حاول إدماج, أو إشراك كائناته بشبكة إشعاعاته في رسوم احدث. و حاول في أخرى أن يخلق هذه الكائنات حفريا بومضاته الضوئية وإشعاعاتها. واعتقد انه نجح في خلق عنصر أدائي جديد يجمع ما بين حرفة الرسم والحفر الخطي وحتى التصميم.
   مستجدات تقنيته. أو محاولته التقنية الجديدة. جاءت تتوافق وولعه الحرفي التصميمي. ولع التقنية الآلية(الكرافك دزاين) الذي مارسه, وتلقائية الاداء الفني الشكلي. واعتقد أن هذا الولع بدأ مثمرا منذ عام(2010), وبالذات حينما شاهدت له عملا في معرض (رابطة الفنانين الأجانب في أوربا) في قاعة(كيت رود كلري) في لندن ذلك العام. لقد بدأ في رسم أو حفر الخطوط أو الشرائط الهندسية التي تخترق أو تشكل بعضا من أجساد مخلوقاته. ويبدو أن محمد, وخوفا من استهلاك موضوعه أو شحنته الانفعالية, بدأ يعقلن من أدوات أدائه الفنية. فخطوطه المتوازية سواء في استقامتها أو انحناءاتها. هي جزء من عالم التصميم المفكر فيه(العقلاني) وان تصادمت ومنطقته العفوية. الا أنها خلقت مشهدية جديدة, وخاصة في رسومه الكبيرة الحجم التي فضلها مؤخرا لما لها من سطوة على فضائات العرض. فهل ينوي محمد أن يحجم من سطوة انفعالاته بهذا الإجراء الخطي, أو مجرد  بعثرتها على امتداد هذه المساحات. اعتقد أن الأمرين واردين, ما دام الفن يتبع هاجسه الإبداعي لمديات هو يحدد مساراتها.
    ما أثارني فعلا وجعلني أدون مقدمتي, وأؤكدها, عن دور الصدمة النفسية في إنتاج أعمال هذا الفنان. هو ما شاهدته من محاولته صياغة أعمال فنية بنائية جمع فيها بين كتلة أو مجموعة كتل مجسمة في صندوق ضوئي, شكلها لا يختلف كثيرا عن شكل الخلية العصبية وتفرعاتها الشعرية.  وان اخترقت إحداها الشظايا, فان ثمة شظايا لا تنوي ترك آثارها. وكما يعترف الفنان فان ثم(اثر لشظايا التفجير الذي طال وزارة الثقافة العراقية لا يزال عالق في ظهري).
     إن وجد الإنسان في رسوم محمد, فهو نادر الحدوث. إذ أن وجوده لا يتعدى لعبة التخفي في ضبابية أو
دوامة الخطوط والأشكال و تجاوزات المستويات الثلاثة. إنسان إن لم يتشضى بالكامل, فان ذلك, وحسب ما اعتقد, من اجل عدم إخفاء ظل ملامحه الأنثوية التي تندفع وسط شظايا ما تبقى من أجسادها, هواء يتبخر ما ان تلامسه ملامح وجوه يفضلها الفنان.                                                                             ما تؤكده رسوم محمد سامي هو: أن كل شيء زائل ما دمنا لم نتصالح مع بيئتنا وأنفسنا. ولا تزال المرأة والطير والحيوان ركننا  القصي الذي يقع علينا واجب الحفاظ على حميمية دفئه. كما الرحم الذي لم تلوثه قذارات دنيانا المعاصرة بانتهاكاتها لحقوق الإنسان وتلويث فضاءاته الرحبة.
    على المستوى العملي, اثبت محمد سامي حضورا ملفتا في مدينة نورشوبنغ السويدية حيث يقيم. وكانت أهم مساهماته أو عروضه في هذه المدينة. مساهمة في عام(2010) بعرض البيت الثقافي للمدينة بعمل بقياس(400ء200 سنتم). وكذلك بوستر لعرض الليلة الثقافية, مع عرض عمله الأصلي في المتحف في عام(2011), فمعرض شخصي في قاعة العرض المهمة(داك أندرسون). وأخيرا في(2012) نفذ عمل بقياس كبير في مدرسة الفنانين(التي تعد الدارسين لكلية الفن). اظافة لمساهمات خارجية. وكما نعلم, ليس من الهين على فنان لا يزال لاجئا وفي مقتبل عمره أن يحقق مثل هذه العروض في بلد كالسويد. واعتقد أن لميزات رسوم محمد التي تندرج ضمن رسوم شباب الفنانين المعاصرين, التي تجمع مابين البوب  و الكرافيت وخفة الموضوع والأداء وسعة المشهد, ومؤخرا الولع التصميمي التجريبي. كل ذلك يجعلها تحت دائرة الضوء. ويوفر للفنان فرص عرض تعز على غيره من شباب الفنانين المهاجرين, في هذا البلد الذي يدقق في تفاصيل اداءات الشخصية الغريبة او المهاجرة.

علي النجار
مالمو  04ـ06ـ2012